shababdemiana

    الرهبنة القبطية (3)

    شاطر

    menatefa
    عضو متألق
    عضو متألق

    عدد الرسائل : 177
    تاريخ التسجيل : 05/10/2007

    default الرهبنة القبطية (3)

    مُساهمة من طرف menatefa في الإثنين سبتمبر 15, 2008 6:07 am

    الرهبنة القبطية حصناً للكنيسة ومنارة للعالم:
    ليست بدون سبب بدأت الحركة الرهبانية في مصر، فقد حملت الكنيسة المصرية ولا تزال تحمل إتّجاهاً إسخاطولوجياً (أُخرَويّاً) ليس فقط في عبادتها وإنما في كل سبل حياتها.. هذا الإتّجاه دفع الكثير من المؤمنين نحو البراري لا هروباً وإنما صراعاً ضد الظلمة بقصد إعلان ملكوت الله القاطن في قلوبهم.. لقد قال القديس الأنبا أنطونيوس "لا يتوهمن الإنسان أن بلوغ الكمال بعيد المنال أو غريب عن الطبيعة البشرية، فالناس يركبون البحار ليتمكّنوا من دراسة الفلسفة اليونانية أما مدينة الله فهي داخل القلب البشري، والصلاح الذي يطلبه الله كائن داخل كل فرد منّا ولا يتطلَّب إلا أن تخضع إرادتنا للإرادة الإلهية".. ويقول الأب مار إسحق السرياني "إن كنت نقياً، فالسماء في داخلك والملائكة ورب الملائكة داخل نفسك".
    كانت الرهبنة وما زالت حصناً كنسياً تلجأ إليه الكنيسة..
    كان الآباء البطاركة يلجأون للأديرة حينما تشتد عليهم النوائب والضيقات وحينما يثير عدو الخير حرباً على الكنيسة..
    مر وقت كان فيه "دير الزجاج" قرب الإسكندرية مقراً لإدارة الكنيسة لفترة طويلة وخصوصاً الفترة التي أثار فيها أصحاب الطبيعتين الحرب ضد إيمان الكنيسة، وقد تمت رسامة عدد من البطاركة في هذا الدير.

    مر وقت أيضاً كان فيه دير الأنبا مقاريوس الكبير مقراً للآباء البطاركة بالإضافة إلى أديرة وادي النطرون، حيث فيها طُبِخَ الميرون عدة مرات للحفاظ على هذا الطقس الجميل أصيلاً كما تسلّمناه من الآباء القديسين.

    وفي كثير من الأوقات كان الآباء البطاركة والأساقفة يلجأون للأديرة لتكون الملاذ الروحي الذي تستريح فيه أرواحهم وأجسادهم.
    غالبية علماء الكنيسة وبطاركتها وأستاذتها في اللغة والعقيدة والطقس وكافة العلوم الكنسية كانوا ولا زالوا من الرهبان المتبتّلين ، كما كان ولا زال أيضاً مديري مدرسة الإسكندرية اللاهوتية (الكلية الإكليريكية حالياً) من المتبتّلين والرهبان والبطاركة.
    خدم الرهبان ولا زالوا يخدمون في كنائس وأماكن خارج أديرتهم في مصر وخارجها، أو هم قد ساعدوا مساعدة كبيرة في ذلك.

    كثير من الرهبان المصريين لهم فضل نشر الإيمان في عديد من بلاد أوربا.
    أهتم أيضاً الرهبان النُسّاخ بنسخ الكتاب المقدس وكتب الكنيسة (قبل اكتشاف الطباعة)، وهذه الخدمة الجبّارة حفظت لنا الكتب المقدّسة وكتب الطقوس الكنسيّة من جيل إلى جيل.

    الرهبنة حصن للعقيدة ووحدة الإيمان والتعليم الصحيح، فالكنيسة القبطية كنيسة رسولية بالتسليم وحفظ التقليد.. فوجود مجموعة كبيرة من الرهبان في البرّية في ظروف واحدة حفظ لنا الإيمان والعقيدة والطقس في صورة نقية..

    حالما سمع الأنبا انطونيوس رجل الوحدة والنسك عن اضطهادات الإمبراطور مكسيميانوس للمسيحيين نزل إلى الإسكندرية يخدم المعترفين داخل المناجم والسجون ويثبِّت المتقدمين للاستشهاد ويذهب معهم إلى ساحة الشهادة، وكان نفسه يتوق للاستشهاد وحزن لأن الله لم يسمح له أن يكون واحداً منهم، وإذ انتهى الاضطهاد عاد إلى قلّايته ليصير شهيداً كل يوم بالنيّة مصارعاً روحياً في معارك الإيمان.. ومرة أخرى نزل الأنبا أنطونيوس (وهو في عمر يناهز المائة عام) من البّرية إلى مدينة الإسكندرية لمدة ثلاثة أيام ليسند البابا أثناسيوس ويثبّت الناس على الإيمان المستقيم عند ظهور بدعة أريوس التي شككت في لاهوت المسيح، فأرتجّت المدينة كلها بقدوم رجل الله وكانت كلماته بالروح تقتدر كثيراً في فعلها.

    القديس مكاريوس الكبير في دفاعه عن الإيمان أيضاً نُفي من الأريوسيين إلى جزيرة فيلة بأسوان-واستطاع أن يربح الجزيرة كلها إلى الإيمان المسيحي بعد أن شفىِ ابنة حاكم الجزيرة من روح شرير كان يعذّبها-.

    القديس مار أفرام السرياني في دفاعه عن الإيمان وقف ضد الأريوسيين حتى أنه كان يؤلِّف الشِعر الذي يتحول إلى أغاني يغنيها الشعب لتثبيت الإيمان الأرثوذكسي، وأيضاً مار أوغريس له مثل هذه المواقف في الحفاظ على الإيمان.

    كان يلذ للآباء البطاركة أحياناً أن يأخذوا معهم أحد الرهبان القديسين في رحلاتهم إلى المجامع والمؤتمرات كبركة تسندهم في مناقشاتهم من أجل تثبيت العقيدة.. مثل البابا كيرلس الكبير عامود الدين 24 الذي أخذ معه الأنبا شنوده رئيس المتوحّدين في رحلته إلى مجمع أفسس المسكوني.

    يعوزنا الوقت لنخبر أيضاً عن البابا ديوسقوروس الذي كُسِرت أسنانه ونُتِف شعر لحيته من أجل الدفاع عن الإيمان، والأنبا صموئيل المعترف الذي فُقِئت إحدى عينيه، وعن شهداء العقيدة الكثيرين جداً حتى قال أحد القديسين "إن دماء الشهداء هي بذار الإيمان".

    الرهبنة حملت بركات روحية كثيرة للعالم، وصارت ينبوعاً من كلمات المنفعة والمعرفة الاختبارية الروحية من نطق الروح على فم الأبرار.. فوجود مجموعة من الرهبان بالآلاف وعشرات الآلاف مخصصة للرب ومتفرِّغة للعمل الروحي نقية في قلبها صار حصن خلاص للعالم أجمع..

    كان الفلاسفة والعلماء وكبار النسّاك يأتون من بلاد اليونان والرومان ليسمعوا كلمة منفعة من قديسي ومتوحّدي مصر ونسّاكها ورهبانها.

    بل كان رؤساء الكنيسة يأتون إلى البرية ليأخذوا كلمة منفعة من قديس تعينهم في حياتهم، مثلما كان البابا أثناسيوس الرسولي حامي الإيمان 20 يذهب إلى معلمّه الأنبا أنطونيوس لينتفع من صلواته وإرشاداته، كما كان يذهب البابا ثاؤفيلوس 23 ليأخذ كلمة منفعة من القديس أرسانيوس معلّم الصمت أو من القديس ببنودة.

    رائحة الرهبنة كانت كالمسك الذي يفوح ويعبّق الأرجاء، وهكذا كان الناس في أرجاء الأرض كلها يتنسّمون رائحة الرهبان ويتلقّفون أخبارهم ويريدون أن يتتلمذوا عليهم أو يزورونهم لكي ينالوا بركتهم.. حتى أن الإمبراطور قسطنطين الكبير أرسل خطاباً إلى القديس أنطونيوس الراهب لكي يطلب بركته وصلاته وصلاة أولاده الرهبان عنه، وكان الإمبراطور ثيئودوسيوس يستشير رهبان برية شيهيت في كثير من أمور دولته لكي يأخذ بركتهم.

    وصلت تأثيرات الرهبنة إلى الكثير من الأمراء ورجال البلاط الملكي.. حتى كان يأتي بعضهم للرهبنة في مصر أمثال الأميريَن مكسيموس وأخيه دوماديوس، والمثقََّف الثري أرسانيوس معلّم أولاد الملوك.

    من هذا السرد السابق رأينا كيف كانت للرهبنة أهمية ضخمة بالنسبة للعالم، وكما يقول أحد القديسين المعاصرين "إن عظمة الكنيسة لم تبدأ بعظمة الرعاية والمعجزات وإنما بدأت بحياة الروح التي ظهرت في الرهبنة"، وأصبحت الكنيسة تضئ من داخل الأديرة ومن داخل البريّة والمغارات وشقوق الجبال.. وللقديس يوحنا ذهبي الفم قول مأثور في ذلك إذ يقول "إن السماء بكواكبها ونجومها لا تعادل برّية شيهيت برهبانها ونسّاكها"، ويقول القديس يوحنا كاسيان الرحّالة المشهور الذي زار مصر مرتين وكتب عن قديسيها ورهبانها "إن المسافر من الإسكندرية إلى أسوان لم تكن تنقطع من أذنيه أصوات التسبيح الصادرة من الرهبان المقيمين في البريّة على طول الطريق كأبراج الحمام".
    ____________________
    المراجع:
    "طقس سيامة الرهبان وحياة كبار قادة الرهبنة" للراهب القس زخارياس الأنطوني
    "بستان الرهبان لآباء الكنيسة القبطية"
    "الرهبنة" للقمص يوسف أسعد

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 22, 2018 7:47 pm